لتفعيل البيداغوجيا الفارقية لابد من توفير شروط وظروف مناسبة يتمثل بعضها في:
1 ـ تحديد حاجيات كل متعلم أو كل مجموعة من المتعلمين، من خلال تقويم تشخيصي للتعلمات السابقة والمعرفة القائمة عن الموضوع المستهدف بالتدريس، وتشخيص الفروق الفردية بناء على ذلك، وإطلاع المتعلمين على ذلك بكل شفافية ووضوح مع إجراء مشاورات بينهم فيما يخص التعاطي مع الموضوع المستهدف.
2 ـ تدبير الوقت بمرونة مناسبة لكل متعلم أو مجموعة متعلمين، والابتعاد عن صلابة جدول الحصص التقليدي الذي كثيرا ما يعرقل التعلمات بحصرها في وقت محدد بصرامة ومقنن تشريعيا، يحاسب عن الإخلال به. فالفروق الفردية مبنية أصلا على إيقاعات للتعلم مختلفة ومتنوعة يجب استحضارها في الأداء الصفي مع اعتبار الوقت بكل مرونة.
3 ـ طبيعة البيداغوجيا الفارقية القائمة على التعلمات التفريدية أو على التعلمات داخل مجموعات من المتعلمين، تتطلب التشاور والتحاور حول كيفية ومعايير وقيم وسلوكات التعاطي مع التعلمات، والتعاطي مع مكونات الفعل التعليمي خاصة الأستاذ والتلاميذ والشركاء الفاعلين في المؤسسة المرتبطين بتلك التعلمات.
وهذه الطبيعة يقوم حولها جدل مفتعل في البداية نظرا أن جماعة الفعل لا تكون ردود أفعالها واحدة، بقدر ما تتسم بالمقاومة؛ التي تمتص عندما يتحاور ويتشاور حولها بكل مسؤولية وموضوعية.
4 ـ طبيعة البيداغوجيا الفارقية المبنية على الفروق الفردية تتطلب العمل في فريق متلاحم وصبور، نظرا لأنها توظف العديد من التعلمات المتنوعة والمختلفة، والعديد من الأدوات والمعينات البيداغوجية ووسائل العمل، والآليات.. فهي بذلك تتجاوز قدرة فرد واحد.
5 ـ الإعداد الدقيق للأهداف المتوخاة بتحديد التعلمات وضبطها، وتحديد المسارات التعليمية التعلمية، ووضع التقويم بكل أنواعه المعروفة، وبناء أدواته..
6 ـ توفير شروط العمل في المجموعات أو بالتفريد عندما نأخذ بالتعليم التفريدي خاصة إذا كانت جماعة القسم قليلة العدد، وهذا حاضر في بعض البوادي المغربية. لكن مع الأسف الشديد لا نوظف البيداغوجيا الفارقية في التعاطي معها. كما نلاحظ مع الأسف الشديد أن الكتب المدرسية الجديدة لا توظف هذه البيداغوجيا في الدعم الخاص، بل تنأى به نحو التعلم الجماعي المعتمد على المتوسط الحسابي.
7ـ توظيف مبادئ الإحصاء الدالة على الفروق الفردية من المتوسط الحسابي، والبعد عنه، والتشتت، والانحراف المعياري لمقاربة نتائج التقويم التشخيصي ونتائج التقويم النهائي لتحديد الدعم.
8 ـ اعتماد التعليم القائم على فكرة الفروق الفردية باعتبار اختلاف المتعلمين والمتعلمات في نفس القسم بدل اعتماد التعليم القائم على فكرة المتعلم المتوسط، بمعنى الانطلاق من البعد عن المتوسط الحسابي لا الانطلاق من المتوسط. وتركيز التعليم حوله، واعتبار أن التلاميذ نسخ طبق الأصل مع فروق فردية تكاد لا تذكر، كما هو حاصل في برامجنا التعليمية الحالية التي تدعو التجديد وما هي بجديدة؟! وإنما كلام في الفراغ يدغدغ أحاسيس ومشاعر الناس ويوهم غير الناقد بأن هناك جديدا، في حين النقد يظهر خلاف ذلك.
المبادئ الدالة إحصائيا على الفروق الفردية :
حتى يسهل التعامل مع الفروق الفردية وتوظيفها على الوجه الأكمل سوف نقترح بعض المعاملات الإحصائية الدالة دون التعمق في بعضها الآخر لتعقيداتها الرياضياتية التي تتطلب شروحا إضافية لا يتسع المقام والمقال لها. وسنتخذ فقط المتوسط الحسابي والبعد عنه لتحديد الفروق الفردية لسهولة توظيفهما والتعامل بهما؛ وليكن في العلم أن لهذين المعاملين عيوبها الإحصائية في بعض الأحيان.
1 ـ المتوسط الحسابي:
وهو مجموع النقط المحصل عليها من قبل المتعلمين مقسوما على عددهم، ونرمز له بالمعادلة التالية: X S =8
N
بحيث8 هو المتوسط الحسابي، وS مجموع النقط، و Xهي نقطة كل متعلم على حدة، وN عدد المتعلمين، وأما إذا كانت النقط أو المفردات الإحصائية على شكل تكرارFréquence فإن المعادلة تصبح على الشكل التالي:f X S =8
N
بحيث نفس المؤشرات مع اختلاف بسيط جدا؛ وهو النقطة أو المفردات الإحصائية مضروبة في تكرارها، ثم جمع الخارج مع خارج النقط الأخرى أو المفردات الإحصائية الأخرى في تكراراتها، وقسمتها على عدد التلاميذ .
فمثلا لو فرضنا أن جماعة القسم تتكون من 10 متعلمين ونقطهم المحصلة في معلومات موضوع ما هي على الشكل التالي: 6، 7، 3، 4، 2، 8، 5، 9، 1، 0. فالمتوسط الحسابي هو مجموع النقط المذكورة وهو: 6+7+3+4+2+8+5+9+1+0 مقسوما على عدد التلاميذ وهو 10؛ فالمتوسط الحسابي يساوي إذن 4.5 . وأما إذا كانت النقط فقط هي مثلا: 8، 5، 6 مع تـكـرارات مـتـتـابعـة عـلـى الشـكـل التالي مثلا: 5، 2، 3 فإن المتوسط الحسابي يساوي: (8×5)+(5×2)+(6×3):10 = 6.8.
ومنه فإن التلاميذ الذين حصلوا على 4.5 فما فوق في المثال الأول هم الحاصلون على المعدل دون الآخرين، بينما في المثال الثاني فإن التلاميذ الذين حصلوا على 6.8 فما فوق هم الذين حصلوا على المعدل دون غيرهم؛ وعليه من حصل على 6 فهو غير حاصل على المعدل بناء على المتوسط الحسابي الذي هو نزعة مركزية في عرف علم الإحصاء التطبيقي. وأما إذا أخذنا بالمعدل النظري وهو 5/10 فإن المتعلم الحاصل على النقطة: 6 فهول حاصل على المعدل. وهذا لا يعطي نظرة حقيقية عن مستوى المتعلم مقارنة بمستوى القسم.
2 ـ البعد عن المتوسط الحسابي:
لحساب البعد عن المتوسط الحسابي وهو بعد بسيط حسب علم الإحصاء، نستعمل المعادلة التالية: ( X-X ).
وهي تؤشر عن البعد عن المتوسط الحسابي في مستوى أدنى من التعقيد الإحصائي، يمكن الاعتماد عليه في تكوين مجموعات متقاربة أو شبه متقاربة في الفروق الفردية، مما يسمح بتحديد أنشطة للتعليم والتعلم لتلك المجموعات مناسبة لها وتنطلق من الفروق بينها.
وسوف نضرب لذلك مثالا؛ فنقول: لنفرض أن مستوى دراسيا ما يضم 20 متعلمة ومتعلما، تتوزع نقطهم في تقويم تشخصي حول المعلومات الأبجدية لموضوع الدرس على الشكل التالي:
5، 8، 9، 8، 5، 4، 3، 4، 4، 7، 6، 6، 7، 8، 9، 3، 2، 2، 5، 6.
فالمعدل الحسابي للقسم هو: 111/20=5.55 ؛ وأما البعد عن المتوسط لكل متعلم فهو التالي:
(5.55-5=-0.55 )؛ (5.55-8=2.45 )؛ (5.55-9=3.45 )؛ (5.55-8=2.45 )؛ ( 5.55-5=-0.55 )؛ ( 5.55-4=-1.55 )؛ (5.55-3=-2.55 )؛ (5.55-4=-1.55 )؛ (5.55-4=-1.55)؛ (5.55-7=1.55 )؛ (5.55-6=0.55 )؛ ( 5.55-6= 0.55)؛ (5.55-7=1.55 )؛ (5.55-8=2.45 )؛ (5.55-9=3.45 )؛ (5.55-3=-2.55 )؛ (5.55-2=-3.55 )؛ ( 5.55-2=-3.55 )؛ ( 5.55-6= 0.55). وبالتالي فبعد كل متعلم عن المتوسط الحسابي نرتبه من السالب إلى الموجب هكذا:
- 3.55 ؛ -2.55 ؛ -1.55 ؛ -0.55 ؛ 0.55 ؛ 1.55 ؛ 2.45 ؛ 3.45 . وبذلك فإننا سنشكل من مجموع متعلمي القسم 8 مجموعات وفق هذه الأبعاد عن المتوسط الحسابي المحصلة. حيث تضم كل مجموعة التلاميذ الذين لهم نفس البعد عن المتوسط، مع مراعاة معطيات بنود التقويم التشخيصي. وهي كالتالي:
ـ المجموعة 1 ذات البعد: -3.55 تضم تلميذين.
ـ المجموعة 2 ذات البعد: -2.55 تضم تلميذين.
ـ المجموعة 3 ذات البعد: -1.55 تضم 3 تلاميذ.
ـ المجموعة 4 ذات البعد: -0.55 تضم 3 تلاميذ.
ـ المجموعة 5 ذات البعد: 0.55تضم 3 تلاميذ.
ـ المجموعة 6 ذات البعد: 1.55 تضم تلميذين.
ـ المجموعة 7 ذات البعد: 2.45 تضم 3 تلاميذ.
ـ المجموعة 8 ذات البعد: 3.45 تضم تلميذين.
وبناء على هذه المجموعات ومعطيات تقويمها التشخيصي سنبني أنشطة تعليمية تعلمية مناسبة لها، ومنه نكون قد انطلقنا في تعليمنا من الفروق الفردية المحصلة لدينا، أما إذا كان كل متعلم يشكل بعده عن المتوسط الحسابي حالة خاصة لا يشاركه الآخرون فيها، فإننا نعمل بالتعليم التفريدي، حيث نمكن كل حالة بأنشطة تعليمية تعلمية خاصة بها، وهذه الحالة قليلة عندنا خاصة مع الاكتظاظ الذي يشهده تعليمنا فلابد من تشكيل مجموعات.
ونحن لن نذهب إلى المعاملات الإحصائية الأخرى كالانحراف المعياري والتشتت والارتباط وt .. لأنها متخصصة جدا، ومنوطة بالبحوث والدراسات العميقة، ومؤسستنا التعليمية المغربية ليست مؤهلة حاليا لتوظيف الإحصاء النفسي وقياس القدرات الإنسانية، لأنها لا تدرسه ولا تمكن الأستاذ منه سواء في مستوى التكوين الأساس أو المستمر. بل هناك من لا يؤمن به ولا يعترف به، فبالأحرى أن يطبقه.. ولكن سنعطي أمثلة تطبيقية نوظف فيها المتوسط الحسابي والبعد عنه في إعداد درس مبني على الفروق الفردية، بمعنى درس يوظف البيداغوجيا الفارقية.
البيداغوجيا الفارقية والتنشيط:
بما أن البيداغوجيا الفارقية تقوم على الفروق الفردية وتوظف المجموعات في التعليم والتعلم، فهي ترتبط ارتباطا عضويا بالتنشيط، وتعتمد عليه في تنشيط المجموعات، ومنه كان ضروريا التطرق إلى التنشيط وتقنياته ضمن مبحث البيداغوجيا الفارقية. فترى ما التنشيط؟ وما تقنياته؟ وقبل ذلك كله لابد من استهلال في التنشيط.
ـ استهلال:
يلعب التنشيط دورا هاما في الحياة المدرسية، إذ يعد الأساس الداعم للفعل التعليمي التعلمي في المدرسة المغربية بمفهوم التفعيل، ويعد مكونا من مكونات بنية هذا الفعل من منظور الممارسة الميدانية، ذلك أنه وسيط بيداغوجي فعال في مقاربة المواد الدراسية؛ حين يحمل تلك المواد إلى المتعلم في شكل مقاربات متنوعة وهادفة. كما أنه جزء من مكونات بنية المادة الدراسية حين يكون مستهدفا بالتدريس. لذا اعتمدته البيداغوجيا الجديدة منهجا وموضوعا للتدريس في نفس الوقت. مما يجعل الفعل البيداغوجي حيويا. ينبض بالحياة؛ فمسرحة درس التاريخ جزء من بعث زمانه ومكانه إلى الحياة، والوقوف على معطياته التاريخية السياسية والاقتصادية والإيديولوجية والاجتماعية والثقافية والدينية... وملابسات سلبياته وإيجابياته. كما أن تكنلجة مادة الفزياء أو العلوم الطبيعية حين التدريس يحرك المتعلم ويبعث فيه الحيوية والنشاط بدل الإلقاء الذي يحيل الدرس إلى جماد وجمود وسكون، بل يؤدي في كثير من الأحيان إلى تعقيد المادة وتصعيبها على المتعلم.
ومن هذه الحيوية والفعالية التي يبعثها التنشيط في التدريس؛ أصبح هذا الأخير مناط طرق التدريس الحديثة ومحط اهتمامها دراسة وطلبا واستجلابا لقاعة الدرس، وتفعيلا فيها؛ لأنه وسيط حي مجدد لنشاط وحيوية المتعلم. يمكنه من مجموعة من الكفايات والقدرات والمهارات، التي تقدر المتعلم على ممارسة التعلم في المدرسة وخارجها. ويدعم مكتسباته ويراكم خبراته بما يضمن تخزينها في ذاكرته بعيدة المدى، التي يستدعيهخا كلما طلبت الحاجة إلى ذلك. لأن التخزين يتم بواسطة مفاتيح ضابطة لإشعال الذاكرة والاسترجاع. فمثلا التلميذ الذي يدرس درس الفلسفة بواسطة المناظرة والحجاج بين الفيلسوف ومحاوريه أو ناقديه لن ينسى الدرس، بل يمكن أن يستدعي حيثيات الدرس من خلال مفاتيح معينة استدمجت في دخل الذاكرة. فمثلا يقول: لقد رد الفيلسوف الفلاني على منتقديه لما كان يحاورهم في المقهى. فالمقهى تشكل مفتاحا هنا للتلميذ، يشعل به الذاكرة ويستدعي به حيثياث المقام ومضمون المال. وهكذا مع مختلف آليات التنشيط، التي توظف في التدريس. ومنه أمسى التنشيط اليوم رامزا للتفعيل والتفاعل والحيوية في الفعل البيداغوجي. فكل فعل تدريسي يفتقد للتنشيط؛ فهو فعل ميت سكوني لا حركة فيه. يستدعي التكبير ...
والمبرمج التربوي المغربي واع بأهمية التنشيط منذ زمن بعيد، غير أنه تركه للتطوع والهواية في مرحلة ما قبل الميثاق الوطني للتربية والتكوين. وفي المرحلة الحالية مع هذا الميثاق نقله من التـطـوع إلى الإلـزامية، وأبقاه ـ مع الأسف ـ في دائرة الهواية دون الاحتراف. وما الاحتراف إلا تخصيص التنشيط بمادة مستقلة لها برنامجها المقرر ومساحتها الزمانية وقادرها الممارس، المكون خصيصا للتنشيط، وأرضيتها اللوجستكية؛ التي تسمح بممارسة التنشيط داخل المدرسة المغربية. واعتمد في هذه النقلة النوعية، التي أصبغت على التنشيط أهمية قصوى في عشرية التربية والتكوين على مرجعيات أدبية وفلسفية وقانونية مختلفة نذكر منها:
أولا: طبيعة الإنسان التي تميل في عمقها إلى الاجتماع والتواصل مع الآخر، ضمن مدنيته الموجبة لتبادل المصالح والمنافع القائمة على التعاون والتآزر والاختصاص والتخصص. من حيث أن الإنسان لايمكنه القيام بجميع أنشطته بنفسه، والإلمام بها في نفس الوقت، وخصوصا في عصرنا هذا. ذلك ( أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته .. فلابد من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم ) ، وهذا ما يدعو إلى الانفتاح على خبرات الآخر، وعلى إمكانياته، وعلى عطائه. فالناس في كليتهم تنشأ الحضارة وتتعدد مناحيها، وتتنوع منجزاتها، وفي مدنيتهم ينشأ التنشيط والتحفيز بحكم تنوع طبيعتهم النفسية، وقدراتهم العقلية، وطاقاتهم الجسمية، وإبداعاتهم الفردية. وفي ظل اجتماعيتهم يحتاج الفرد للآخرين، وتنمو مطالبه إلى ما عند الآخرين من منطلق اختلاف المكتسبات والقدرات والكفايات..
ثانيا: تطور المجتمع الدولي نتيجة التطور العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي، الذي أفضى إلى طلب مستجدات سلوكية وقدرات وكفايات وأنماط متنوعة من المفاهيم التي تدل على الفكر الجمعي والمؤسساتي، الذي هو الآخر يتطلب مفهموم التعاون والتآزر، والتضامن من أجل الإنجاز... وغدا استعمال الضمير " أنا " دالا على قصور في الفكر الاجتماعي الحديث للمتكلم بهذا الضمير. وأصبح الحديث بالضمير " نحن " عنوانا لفكر اجتماعي حداثي منسجم مع تطلعات المجتمعات العصرية، ومسايرا لفكر المجتمع المدني الذي يروج للفكر التضامني الجمعي. ذلك أن اليابان مثلا حاصرت المبادرة الفردانية ( Individualism ) وشجعت المبادرة الجماعية ( Collectivism )؛ مما يستوجب التنشيط وطرق التنشيط من قبل الفرد ليعمل داخل الجماعة. فهي ـ أي اليابان ـ تأكد ( على التعلم الجماعي وحل المشكلات. فجزء كبير من وقت التلميذ سواء داخل الفصل الدراسي أو خارجه يخصص للدراسة الجماعية. ويتعلم التلميذ مهارات التعلم الجماعي وحل المشكلات والحساسية لزملائه والحد من أنانيته من خلال المشروعات والرحلات الجماعية، وتنظيم الفصل الدراسي، والأنشطة الجماعية الوثيقة الصلة التي تستمر فيها عضوية الفرد عدة سنوات. وهناك شعور عنيف بالفخر بإنجازات الفريق أو الجماعة ينتشر في الثقافة كلها. وأكثر المحكات أهمية في تقدير نوع العمل للترقية الدورية هو القدرة على العمل مع الآخرين بانسجام ) .
وهذا التطور الحاصل في المجتمع الدولي، يتطلب أكثر من أي وقت مضى التعامل مع الجماعة؛ لأنها أصبحت البنية الأساسية في العمل. أو المؤسسة الاجتماعية الأكثر قابلية للتداول، مما يعني زيادة الطلب على التنشيط؛ لكونه المدخل لاكتساب طرقه وأساليبه وأدواته وخططه، خاصة من واقع ممارسته. ولهذا فإنه غني عن التذكير بتفاصيل أهميته في الفكر الجمعي الحديث...
ثالثا: روح الميثاق الوطني للتربية والتكوين المبنية على:
أ ـ كون الميثاق الوطني للتربية والتكوين نتاج عمل جماعي، تطلب مجهودا كبيرا في تنشيط اللجنة الخاصة به، وكونه تعبيرا واضحا عن الفكر الجماعي المؤسسة على التوافق السياسي والمذهبي والديني والثقافي بغض النظر عن تحفضاتنا عليه. فهو تطلب تعاضد الكفاءات للخلوص إلى نتاج معبر عن اللجنة.
فالميثاق نفسه يتضمن روح الجماعة وتآزرها نحو الخلوص إلى موقف منسجم معبر عن مختلف الرؤى. وهو يظهر من هذه الناحية أهمية التنشيط وكيفية إدارته من أجل التوافق. وبذلك كان عنوانه الكبير المعبر عن ضرورة امتلاك مجموع أفراد اللجنة مفهوم التنشيط والعمل على تفعيله اتجاه بعضهم البعض، فصد الإقناع والتوافق في المواقف والاتجاهات...
ب ـ كون الميثاق الوطني للتربية والتكوين عرف أهمية التنشيط في بناء الفرد والمجتمع، من خلال لجنته؛ وعرف قيمته التداولية في التوافق والتسيير والتدبير. فحمل همه وجعله روحا للميثاق، وترجم تلك الروح إلى بنود ومواد ناطقة وصريحة في هذا الباب. فأسست الأجرأة لهذه الروح على تلك المواد وظهرت في شكل مواد قانونية وتشريعية ملزمة. ستظهر من خلال بعض المعالم الكبرى فيما بعد.
فالتنشيط في الميثاق يعد آلية وأداة عملية، في انفتاح المؤسسة التعليمية على محيطها الاجتماعي المحلي والإقليمي والجهوي والوطني والعالمي؛ بما في هذا المحيط من غنى ثقافي واقتصادي وسياسي وديني وإيديولوجي وتكنولوجي ومعلوماتي... للاستفادة من خبراته وتجاربه ومعطياته المعرفية والقيمية والسلوكية والاجتماعية والأدائية، والاغتناء منها وبها... كما هو انفتاح للمؤسسة على ذاتها لتطوير كفاياتها وكفايات روادها. لأنها تساهم بقسط كبير في تمكين المتعلم من التنشيط ومن آلياته وأدواته وأساليبه وخططه وقيمه وأخلاقياته، بل هي المدخل الحقيقي لتنشيط الفرد في المجتمع؛ كونها مجتمعا صغيرا مبسطا للمجتمع الكبير الذي يخرج إليه المتعلم، يتضمن تفاعلات وعلاقات اجتماعية تتطلب الكثير من التنشيط...
والميثاق بهذه الروح يعد المرجع الحقيقي للمؤسسة في التنشيط. إذ تنبع منه تلك الروح، في شكل مواد فلسفية مؤطرة للمنظومة التربوية، وحامية لها من كل تعسف يسقط التنشيط من النظام التعليمي المغربي. وتعلن عنها خاصة في المواد التالية: 9 و 48 و 131 و 132. وأضحى التنشيط بهذه المواد وبالمواد المؤجرأة لها إطارا ومرجعا قانونيا، يمنح المنشط في المؤسسة التعليمية حق الممارسة الميدانية للتنشيط، ويضمن له هذا الحق في إجرائه داخل الفعل التعليمي من خلال تنشيط جماعة قسمه؛ سواء على صورة نشاط مدمج أو نشاط مستقل بذاته. كما أصبح التنشيط جزء لا يتجزأ من بنية برامج المؤسسة التعليمية التي تضعها المجالس المختصة حسب التشريعات المدرسية المعلنة.
هذا فيما يخص التنشيط مفهوما واسعا وشاملا، بينما هو في تفعيل جماعة القسم ينحصر وتضييق مساحته حتى يتعلق بتقنيات وإجراءات محددة داخل القسم لتحريك المتعلمين نحو فعل التعلم والتعلم الذاتي.